محمد تكناوي يكتب عن المسرح الحديث و لغة الحوار بالجسد

أضيف بتاريخ ٠٥/١٥/٢٠٢١
كشـ24

” إلى روح الفنان محمد مونين احد رواد و مؤسسي مسرح الهواة بمراكش الذي تتزامن الذكرى الثانية لرحيله مع الاحتفال باليوم الوطني للمسرح الذي يصادف 14 ماي من كل سنة “.

منذ اكثر من ثمانية عقود كان الكاتب الفرنسي “انطوان ارتو” قد اعلن في كتابه الشهير “المسرح وقرينه” عن سقوط المسرح بمعناه الارسطي التقليدي وقيام مسرح جديد لا يعتمد على اللغة العادية والحوار المستهلك اكثر مما يعتمد على الايماءات والاشارات الاقرب الى الطقوس البدائية فالمسرح الجديد كما يراه “ارتو” هو مسرح شعائري او طقوسي تلعب فيه الايماءة دورها الاساسي في عملية التواصل بين افراد الجنس البشري تماما كما كان يحدث في المجتمعات البدائية وقبل اختراع اللغات المعروفة والتي باتت في نظر “ارتو” عاجزة عن ربط الافراد في المجتمع الواحد وفقدت قدرتها على حمل مضامين انسانية فأصبحت وسيلة انفصال بدل من كونها وسيلة اتصال بين الاشخاص في الدائرة الواحدة، ومنذ ذلك الحين لم يأل الفاعلين والمهتمين بالشأن المسرحي جهدا لوضع دعوة “ارتو” موضع التنفيذ ومحاولة تجسيدها في اكثر من اتجاه، فظهر ما عرف باسم مسرح العبث او اللامعقول وكتب “يوجين يونسكو” “الكراسي” معبرا عن ازمة المجتمع الاوروبي المعاصر وتحول افراده الى مجموعة من الكراسي لا تعي ولا تفهم ولا تتواصل، فالناس يتكلمون ولكنهم لا يقولون، يسمعون ولكنهم لا يفهمون، والسبب في ذلك يعود الى اللغة التي نظن اننا نتواصل ونتفاهم بها فاذا هي قاصرة عن تحقيق اي نوع من انواع التواصل او التفاهم بل كثيرا ما تؤدي بنا الى ان نتقاطع حتى ان الفرد ليشعر احيانا وكانه في عزلة عن مجتمعه بعد ان انقطعت وسائل الاتصال بينه وبين الاخرين.

وايا كان الاثر فان محاولات “يونسكو” للتشكيك في قدرات اللغة وامكاناتها في عمليات التواصل تمت باستخدام اللغة ذاتها اي انه استخدم اللغة سلاحا لهدمها، فقد عبر عن لا معقولية اللغة باستخدامه لغة معقولة ولذلك فانه قد بدا لا معقولا في نظر الكثيرين من فناني المسرح الذين جاءوا بعده، واللذين يتفقون معه في الهدف ولكنهم اختلفوا معه حول الاسلوب فاذا كانت اللغة غير قادرة على التواصل بين الناس في نظر هؤلاء فليس هناك من داع لاستخدامها على الاطلاق لقد اخطأ “يونسكو” في نظرهم حينما استخدم اللغة التي هي عاجزة عن الافهام لإفهامنا ذلك وهو في رايهم تناقض احرى بامثالهم ان لا يقعوا فيه ولذلك فانهم ينادون بالاستغناء عن اللغة بمعناها التقليدي استغناء شبه مطلق والاستعاضة عنها بأساليب اخرى اكثر قدرة على التواصل من تلك اللغة المستهلكة فالمسرح الجديد في نظر العديد من الباحثين والمهتمين يجب ان يعتمد اساسا على الحركة اكثر من اعتماده على الكلام فالحوار بالجسد وعن طريق الايماءات والاشارات اكثر قدرة على التواصل من الحوار بالكلمات الفارغة فالمسرح لم يعد وسيلة لإيصال معنى او فكرة لكنه يجب ان يكون معنيا في المقام الاول بإيصال شحنة انفعالية او تأثير نفسي معين ولذلك فان الممثل يكون اقدر على التعبير بالجسد منه على التعبير باللسان والتعبير الجسدي في رايهم يتمتع بقدرة هائلة على نقل ادق المشاعر والاحاسيس التي تعجز اللغة التقليدية عن نقلها فلغة الاشارة اقدم بكثير من لغة اللسان ولذلك فهي اقدر بعراقتها على التعبير والتواصل من لغة اللسان التي باتت عاجزة عن نقل ابسط المشاعر الانسانية.

فالمؤلف المسرحي كما يقول “كروتوفسكي” يجب ان ينسحب من الميدان بأسلحته البالية (الكلمات والحوار…) تاركا مكانه للممثل الذي يستطيع ان يقول بحركة واحدة من جسده ما لا يستطيع ان يقوله في صفحات بلسانه، ان الموسيقى والاضاءة والمؤثرات الصوتية وغيرها من عناصر الفن المسرحي تستطيع ان تتكاثف مع الممثل بإمكاناته الجسدية الهائلة ليقدم مضامين انسانية لم يتطرق اليها المسرح التقليدي من قبل ذلك.